الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
455
مرآة الحقائق
مجالس متعددة من غير تكثر في ذواتهم ، ويدخلون البيت من غير الباب والكوة ، ولا يدرك حقيقة هذا الأمر إلا من ولج ملكوت السماوات ، واللّه الهادي . 10 - في الحديث الصحيح : « من بنى للّه مسجدا » « 1 » : أفاد الكلام الإخلاص ، وأخرج ما بني رياء وسمعة ، وأخرج المسجد معابد الكفار ، ثم أكدّ معنى الكلام بقوله : « يبتغى به وجه اللّه » « 2 » ؛ فإنه يراد به الإخلاص ؛ إذ وجه اللّه ذاته ورضاؤه عبر به عن الذات ؛ لأنها أشرف الأعضاء ، وعن الرضا ؛ لأن أثر الرضا ؛ إنما يظهر في الوجه ، وفيه إشارة إلى أن ما بني بطريق الرياء ، ولأهل البدع والأهواء في حكم الكنائس ؛ إذ هو عمل محبوط رأسا ؛ كعمل الكفار . « بنى اللّه له مثله في الجنة » أي في الجنة الصورية الحسية في الآخرة ، وأعاد له إشارة إلى المكافآت ، والجزاء الوفاق إذ لا معنا لبناء المسجد في الجنة ، ودلّ المثلية على مراتب الإخلاص « 3 » ، فإن كان الإخلاص في مرتبة القلب التي هي مرتبة العشرات ؛
--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 2 / 134 ) ، وابن ماجة ( 1 / 243 ) . ( 2 ) ذكره القرطبي في تفسيره ( 2 / 84 ) ، وابن كثير في تفسيره ( 3 / 293 ) . ( 3 ) قال الشرقاوي : قيل لسهل بن عبد اللّه رضي اللّه عنه : أي شيء أشد على النفس ؟ فقال : الإخلاص ، وكم أجهد في إسقاط الرياء عن قلبي ، فكأنه ينبت فيه على لون آخر . قال أبو طالب رضي اللّه عنه : والإخلاص عند المخلصين : إخراج الخلق من معاملة الخالق ، وأول الخلق النفس . وعند المحبّين : ألا يعمل عملا لأجل النفس ، وإلا يدخل عليه مطالعة العوض ، أو تشوف إلى حظ طبع . وعند الموحدين : خروج الخلق من النظر إليهم في الأفعال ، وترك السكون والاستراحة بهم في الأحوال انتهى . فإذا حمل العبد في نفسه وألزمها التواضع والمذلّة ، واستمرّ على ذلك حتى صار له خلقا وحيلة بحيث لا يجد لضعته ألما ولا لمذلته طعما زكت نفسه واستنار بنور الإخلاص قلبه ؛ ونال من ربه أعلا درجات الخصوصية ، وحصل أوفى حظ ونصيب من المحبة الحقيقية ، فهذا لا يكره الذم من الخلق ؛ لوجود النقص في نفسه ولا يحب المدح منهم ؛ لفقد القدر والمنزلة في نفسه ، فصارت الذلة والضعة صفة لازمة له ، لزوم العرض للجوهر ، فإن كان مع اللّه تعالى بالذل طلبه واستحلاه ، كما يطلب المتكبر العز ويستحليه إذا وجده ، فإن فارق ذلك الذل ساعة لغيّر قلبه لفراق حاله ، كما أن -